مولي محمد صالح المازندراني
47
شرح أصول الكافي
الاستعداد وضعفه ، فلا استحالة عقلاً أن يوجب الصعقة وغيرها ، وقد يقع مثل ذلك عند المصائب الشديدة ، وأية مصيبة أعظم من خروج الروح من موطنها الأصليّ ، وفراقها من الكرامات الأبديّة ، واحتباسها في سجن هذه الدار والبلية . ( من حسن صوته ، وإنّ الإمام لو أظهر من ذلك ) أي من حسن صوته ( لما احتمله الناس من حسنه ) دلّ هذا الخبر على جواز تحسين الصوت بالقراءة ، ودلّت الأخبار الآتية على رجحانه ، وكذا دلّ عليه أيضاً ، ما رواه مسلم عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « ما أذن الله لشيء كما أذن لنبيّ حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به » قال بعض العامّة : معنى ما أذن ما استمع ، والمراد بالشيء المسموع والمضاف مقدر قبل نبيّ أي لصوت نبيّ . والحاصل أنّه ما استمع الله لصوت كما استمع لصوت نبيّ ، والمراد بالاستماع إجزال ثواب القارئ أو الرضا به ، ومعنى قوله : « يتغنى بالقرآن » عند الشافعيّة ، والأكثر يحسن الصوت بالقرآن ، وعند ابن عباس يستغني به عن الناس ، وقال مرّة يستغني به عن غيره من الكتب ، وعن سفيان بن عيينة يُقال : تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت فعلى أن المراد به تحسين الصوت ، فهو من الغناء المحمود ، وكلّ من رفع صوته ومدّه ووالى به فهو عند العرب غناء ، وعلى أنه من الاستغناء فهو من الغنى ضد الفقر وهو مقصور ، والمراد بتحسين الصوت تزيينه بالترتيل والجهر والتحزين والترقيق فهو مستجب ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن أفرط حتى زاد حرفاً أو أخفاه حرم انتهى ، فقد ظهر مما ذكرنا أن أخبار العامة والخاصة متفقة في الدلالة على رجحان تحسين الصوت بالقرآن وعلى حسن صوت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولكن لابد من ترك الإفراط فيه لئلا يبلغ حد الإلحان والغناء ولا يمكن ذلك إلاّ للعارف بوجوه التحسين . ( قلت ولم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن ) أي ولم يكن من باب الاستفهام ولعل غرضه من هذا السؤال أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان أحسن صوتاً منه ( عليه السلام ) وكان يقرء ويرفع صوته بالقراءة ويسمعه الصحابة ولم يصعق أحد من حسن صوته فكيف لحسن الصوت نحو هذا التأثير ؟ ( فقال إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون ) فلم يظهر من حسن صوته ما يصعقهم ولذلك أيضاً ما كلم الناس قط إلاّ بقدر عقولهم وهذا الجواب أحسن مما قاله بعض العامة من أن الغشى لضعف العقل عن تحمل ما ورد عليه وعقول الصحابة لما كانت أكمل لم يطرء عليهم الغشى ، لأن كون عقول كلهم أكمل من عقول غيرهم ممنوع .